الشيخ حسن المصطفوي

42

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وفي الحديث : إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا ، أراد برياض الجنّة ذكر اللَّه وشبّه الخوض فيه بالرتع في الخصب . أرسله معنا غدا يرتع ويلعب ، اى يلهو وينعم . وقيل يسعى وينبسط . وقيل يأكل . قال الفرّاء : يرتع ، العين مجزومة لا غير ، لأنّ الهاء في قوله أرسله معرفة وغدا معرفة ، وليس في جواب الأمر وهو يرتع الَّا الجزم . ولو كان بدل المعرفة نكرة كقولك أرسل رجلا يرتع : جاز فيه الرفع والجزم - ابعث لنا ملكا يقاتل - الجزم لأنّه جواب الشرط ، والرفع على أنّه صلة للملك . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو التوسّع في الرّفّه ، اى ترفّه وتنعّم في سعة . وهذا المفهوم يختلف خصوصيّاته - باختلاف الموارد والمصاديق ، فالتنعّم في سعة لطالب المال غير ما هو لطالب العلم ، وللإنسان غير ما هو للحيوان ، وللحيوان غير ما هو للنبات ، وللكبير غير ما هو للطفل والصغير ، وهكذا . فيقال : رتعت الماشية أي رعت في خصب . وأرتعت الأرض أشبعت الراعية . وأرتع - الغيث : أنبت ما يرعى وما ينبت . ورتع - القوم : أكلوا وتنعّموا قد رغد عيش . ورتع الطفل : صار في حال ترفّه وتنعّم وسعة . ورتع طالب العلم : صار في طلبه على سعة وتمكَّن زائد . ورتع في ذكر اللَّه : خاض فيه مع توجّه والتفات تامّ . فكلّ هذه المعاني يلاحظ فيها الأصل الواحد الجامع مع خصوصيّة زائدة بمناسبة المورد والمصداق . فهذه كلَّها من مصاديق الحقيقة الواحدة .